نظام تعليمي يتيح الفرصة لتأسيس المستقبل
| | 24-03-2020

أتيلا أولتشوم

إنّ كل مرحلة من مراحل تقدم العلم والتقنية، المستمرة دون توقف، تشكل مرحلة مهمة من الناحية الحضارية. إنّ تعدد النظم التقنية في المجالات المختلفة، الكيميائية والفيزيائية والكهربائية والميكانيكية والألكترونية، قد أنتج تغيير وتطور كبير بأسم الإنسانية. علماء الاجتماع ومؤرخي الحضارة والعلوم يفتتحون وينهون العصور إستناداً إلى مثل هذه التطورات التقنية. إنّ إستناد مراجع تقسيم العصور التاريخية وتركيزها على الحجري والحديدي والميكانيكي والكهربائي والألكتروني والذري وغيرها تظهر لنا أهمية التطورات الحاصلة في الأشياء في تحديد العصور والمراحل التاريخية.

في المراحل الأولى من التاريخ كانت الإكتشافات تتدفق ببطئ، وكان كل عصر يستمر لمئات وحتى ألاف السنيين، بمعنى أخر، إنّ تلك العصور كان يسود فيها الركود أكثر من التغيير. لكن اليوم نتيجة الإكتشافات المتنوعة والسريعة والإيجادات الكثيرة أخذ الوقت يتدفق بسرعة البرق، مما جعل في كثير من الأحيان أن لا يتم متابعة المنتجات والأثار الناتجة عن هذه التطورات. لقد زاد التنوع والتجدد في حياتنا لكن في المقابل قد قصر الوقت الذي يتدفق بسرعة، تصيب بالدوار. على العكس من الماضي، إن هذا العصر، الذي يأخذ متعته من سرعته، يخرج من لا يتحرك بسرعة من الحلبة، قد يكون التوقف فيه سبباُ للسقوط والخسارة. نحن أمام مرحلة تفرض علينا أن نخصص بعض الوقت لكل شيء بدل من تخصيص وقت طويل لشيء واحد. وكأنّ الإنسانية قد فقدت واقعيتها وتعيش في عالم أفتراضي مؤقت.

في هذا الصدد، من المفروض علينا أن نتطرق إلى مسألة تحول المعلومات وسرعة إنتشارها، لاسيّما التطورات الحاصلة في موضوع الذكاء الإصطناعي، يسهل لنا مدى أهمية فهم وإفهام هذا الموضوع، لكن هناك بعض الأمور ينبغي عدم إهمالها، وهو التمويه الموجود في اللوحة التي تحتوي على بعض الحقائق. إنّ أساس هذا التمويه ناتج عن مفهوم الرؤية التقدمية للتاريخ، وهذا يحصرنا في نقاشات التقدم والتخلف، لدرجة أن هذا المفهوم أصبح في المركز البيداغوجي الذي يشكل أساس النظام التعليمي القائم على منطق "برمجة الفرد"، في الوقت الذي يجب أن يكون فيه التعليم يهتم ويهدف إلى كشف ميول الفرد، وتوجيهه وفق نتائج ميوله للحفاظ على ميزته الفردية. بمعنى أخر، إنّ هدف التعليم ليس العمل على تذويب الفرد في المجتمع بمنطق "البائع بالجملة". هذا، من الضروري التخلص من المنطق النمطي، الذي أصبح عنصراً مهيمناً على التعليم، لصالح عملية تربوية تجعل المشاركة في الإنتاج مركزاً، وتعطي الأولوية للموهبة والتفكير الإبداعي.

نعم، نحن نعيش في غابة من المعلومات، ومساحة هذه الغابة تتوسع بشكل سريع ومذهل، بلحظات، ناهيك عن الشهور والأيام. ومن لم يكن لديه طريقة أو أسلوب أمام هذه السرعة يتحول إلى كيان/ مجتمع معرض لهذه السرعة وموجه من قبلها. من خلال أساليب الباقية من القرن الماضي لن تستطيع مواكبة العالم المتطور اليوم. في الوقت التي ينبغي أن يكون هدفنا "أن نكون" و"أن نتغلب". يجب أن يتم تشكيل نظامنا التعليمي، من ناحية التنظيم والأسلوب والتشغيل، على استراتيجية "أن نتغلب" ومن أجل تطوير مثل هذه الاستراتيجية وإعداد التقنية المتعلقة بها ينبغي أن نتناول النظام التعليمي من ناحية البنية التحتية والمحتوى بمفهوم متكامل. يجب أن لا يقتصر مقصدنا وهدفنا النهائي على إيجاد النظام الأفضل من ناحية التشغيل والأوسع من ناحية المحتوى فحسب، بل يجب أن يكون الهدف هو المسير "من الإنسان إلى الإنسانية" و"من العلم إلى الحكمة" و "من الصحيح إلى الحقيقة".

لكن، كيف يمكن أن نحقق ذلك؟

في الواقع، لا يبدو من الممكن تحقيق ذلك دون التغلب على مشكلتنا الرئيسية. مصدر هذه المشكلة تناولنا لموضوع التعلم والتعليم من منظور خارجي بشكل عام. لكن التعلم والتعليم يتحقق من خلال ظاهرة داخلية "المخاطبة"، وبالتالية فهي فردية. إذا كنت تقدم المبادئ بأساليب باقية من عصر الأيدلوجيات على أنها معرفة، فأنك تدمر عملية والتعلم من جهة، وتحول الفرد إلى عنصر ذائب وسط الكومة من جهة أخرى. بالطبع، نحن لا نشير هنا إلى تعريف الفرد على مستوى النموذج. مقصدنا هنا تصوير "رحلة الدولفين الداخلية" بدعوة  "كشف الذات". بقيّ أن نقول، إنّ الحرية والرغبة في أن تكون "مخاطب" لا يمكن إلا من خلال الرحلة الداخلية للفرد. ولأن النظام التعليمي السائد اليوم يهدف إلى حبس الفرد داخل الكومة يجعل الفرد منغلق على نفسه. والسبب الأكبر لذلك هو تقليل من شأن المعلومة وإختزالها بالتطور التقني. لسوء الحظ يتم إختزال التعليم كإداة أيدلوجية للجهات المسيطرة لتشكل عائقاً أمام الرحلة الأفراد الداخلية لمبدأ "أن نكون" و"أن نتغلب".

يلزم علينا أن نتغلب على ماذكرته في بداية المقال حول مفهوم المنطق النمطي، كما يلزم علينا أن نطور استراتيجية تعليمية مبنية على عملية جديدة قائمة على القيم التي تشكلنا، ويلزم أيضاً إنشاء نظام مبني على ذلك. خلاف ذلك، سنستمر، ليس نحن فحسب، بل حتى الأجيال القادمة، للتعرض للأنظمة التي تتطور خارج نطاقنا. نعم، هنالك عالم جديد يتحقق ويتطور. نعم، هذا العالم يبنى على تجربة خارج عالمنا. لكن العالم الذي نتحدث عنه ليس سليماً بما فيه الكفاية، ولن يكون كذلك، وهذا واضح بوضوح الشمس. يجب أن يكون النظام الذي نسعى لإنشائه ذات جودة يمنع تحويل المعلومة إلى أداة لتحويل الإنسان إلى كومة. وإلا، لن يكون مانقوم به سوى الانشغال بموضوع تربوي يقدس العلم على حساب الحكمة، يهتم بالموهبة على حساب الشخصية، يهتم بالفرد لكن لا يحسس بالفردية، يحفز على الربح والتميز لكن لايدعو إلى التغلب.

نحن نقابة موظفي التربية والتعليم، منذ بداية التأسيس ونطقة الإنطلاقة الأولى، نتحرك بحافز مسؤولية الدفاع عن حقوق التربويين والعاملين في الخدمات التعليمية من موظفي القطاع العام، وننظر إلى التربية من ناحية المفهوم والنظام على أنها ساحة لنشاطاتنا وجزء لا يتجزء من مسؤوليتنا. ونؤمن أنه من غير المناسب لهويتنا النقابية والتربوية أن نتكلم عن التربويين وحقوقهم دون التطرق إلى العملية التربوية. إضافة إلى ذلك، من أجل رفع قيمة مايقدمه الكتلة التربوية من أفعال وأفكارعلى مستوى المجتمع والدولة يلزم علينا أن نكون في مقدمة المعبريين عن مواقفهم ووجهات نظرهم فيما يخص العملية التربوية، وأن نكون شركاء لسير هذه العملية، نرى الحقائق الموجودة ونطالب بما يلزم فعلة ونعبر عن ضرورتها. وفي هذا الإطار، نقوم بتشكل كل جملة وكل جهد وكل دراسة فيما يتعلق بالتربية والمستقبل، لتعريف التربية وتشكيلها؛ كمفهوم وفق المصادر الصحيحة، وكنظام على أرضية متينة، وكفلسفة وفق الروابط التاريخية السليمة.

إنّ هيبتنا القائمة على تنظيمنا النقابي تجعلنا نتوج النظر إلى المسائل المتعلقة بالتربية من نافذة "نحن" وبهدف "أن نتغلب" و"أن نكون". عندما نفحص ونقييم رؤية التربية لعام 2023، وكذلك عندما نفحص ونقييم النظام التعليمي ككل هدفنا هو تقديم نظام تعليمي يجعل الإنسان يعرف نفسه ويعرف العلم. إنّ نقابة موظفي التربية والتعليم تعي بأنّ كل نظام تعليمي لا يمتلك تصور إنساني يتحول إلى حالة تسلط ضد الإنسانية. إنّ نقابة موظفي التربية والتعليم هي كيان نقابي تنظيمي ذو قوة تخويلية عالية تمثل كل إنسان دفع ثمن كبير لمثل هذا التسلط، وهي تعرف التربية على أنها نشاط تمكن الإنسان من التغلب على الصعوبات من حوله والتوصل إلى ذاته ومعرفة جوهره؛ وتعرف التربوي على أنه ذلك الشخص الذي يساعد الفرد على أن يكون فرداً، ويسانده في اكتشاف وإدراك شخصيته، ويدعمه في الحصول على حقوقه الذي يستحقه.