التعليم هو الحفاظ على الماضي والاستعداد للمستقبل
| | 12-03-2020

مدحت سفين

الحياة تتدفق بسرعة البرق، من أجل البقاء وعدم السقوط، إما أن تنضم لهذا التيار الجاري أو أن تحافظ على إيقاع يتناسب مع هذا التيار، لأن في هذه المرحلة من التاريخ من يركض يبقى على قدميه ومن يقف يسقط.

المعرفة، المنتشرة في تفاصيل الحياة بشكل يتجاوز حدود العقل، يؤدي إلى تغيير شديد في جميع مجالات الحياة. الكثافة والسرعة في نشر المعلومة غيرت وتغير كمها ونوعها، وسرعة انتاجها ومشاركتها، والغرض منها وطريقة إدارتها، والوصول إليها، أستناداً إلى ذلك حدث تغيير في شكل طريقة التعليم أيضاً.

قديماً كان هنالك مئات الأجيال يشهدون عصراً واحداً، واليوم الجيل الواحد يشهد عدة عصور. اليوم مايستخدمه الجميع من أشياء مختلفة لم تكن حتى في أحلام من كان يعيش قبل فترة قصيرة. يتذكر من يعيش اليوم من المسنيين أن الراديو كانت التقنية المتقدمة قديماً. ومن شهد على عصر القطار البخاري من مسنيين اليوم ليسوا قليلين. حتى الأيام القليلة الماضية كانت أجهزة التلفاز مقتصرة على قناة واحدة وشاشاتها غير ملونة. بعيداً عن القرى حتى في العديد من مدننا لم تكن هنالك كهرباء، لكن اليوم لايوجد شخص ليس لديه هاتف جوال. يعني أن استخدامنا للأدوات أبتداءً من الناعور المائي إلى ما نستخدمه اليوم من أجهزة التقنية المتطورة غيرت نظرتنا للحياة والإنسان والوجود. إن تغيُر كم ونوع المعلومات المتداولة مرتبطة بالتغيُر الملزم بالعقلية التي تجعل من تلك المعلومات إلى قيمة ذو معنى. إنّ الظروف المتغيرة تجعل من حقائق البارحة أخطاء اليوم. وتجعل ما نراه خطأ هنا صحيحاً هناك. الضرورة تجعلنا ننتج المعلومة ونطويرها وفقاً لحالة الظروف المتغيرة.

بمعنى ما، يتغير الإدراك والثقافة والنظرة وفقاً للأشياء التي نستخدمها والطريقة التي نتعامل فيها مع العالم. من جهة الثقافة هي نظرتنا للحياة والوجود في ظل تعاملنا المنتظم مع الأشياء. إنّ إكتساب الحركة للسرعة والكثافة جعلت الأماكن والمسافات تدرك وفق نظرة حسية وأفتراضية. إنّ القدرة على إنتاج ومشاركة المعلومات بسرعة كبيرة على شبكات الحاسوب هي السمة الرئيسية لعصر الإتصلات الجديد. إن الاستخدام الفعال والواسع النطاق للمعلومات في جميع مجالات الحياة، من التعليم والإدارة إلى البيروقراطية والصناعة، هي حقيقة عصر المعلومات والاتصلات. فأولئك الذين لا وجود لهم في العالم الإفتراضي لا يمكن أن يكون لهم وجود في العالم الواقعي. وهذا يعني أن العالم الإفتراضي أصبح جزء لا يتجزء من العالم الواقعي، ربما الواقع يصبح أكثر تأثيراً في نطاقه في حال تم دعمه من العالم الأفتراضي.

المراحل الحديثة، التي يتم فيها تفسير العالم من منظور ونموذج جديد، تتقدم بسرعة كبيرة، بلا شك إنّ نقطة إرتكاز الأولى لهذه المراحل هي المعلومات، وكيفية إنتاجها ومشاركتها. ومن الطبيعي أن يكون المقصود بالمعلومة هو مستوى التقدم التقني الجديد ومعرفة البحث. مثلما يصعب العيش في عصر ما بمعلومات ومهارات العصر الذي يسبقه، فإنّ من يبقى بعيداً عن المهارات والمعلومات التي تتطلبها تقنيات اليوم لن يستطيعوا مواكبة العصر الجديد. إن ديناميكيات المرحلة الجديدة ستغير، بل بدأت بتغيير، كل شيئ، بدءاً من ثقافة الإنتاج والاستهلاك امتداداً للنظام التعليمي. كل معلومة وتقنية جديدة تبطل سابقتها وتجعلها بلا تأثير. هذه منافسة، والمجتمعات التي شعارها البقاء، والتي ترغب بالحفاض على هذا البقاء، عليها أن تلحق بركب مستوى المعلومة والإدراك والمهارات.

كيف يمكن تحقيق المستوى المطلوب للوصول إلى المعلومة؟ وفي هذا السياق، ماهو مستوى نضج الأخلاقي والمهاراتي والمعلوماتي للأجيال الذي يهدف هذا النظام التعليمي، اللازم تجديده وإعادة تنظيمه، تنشأته؟ هذه الأسئلة وأسئلة أخرى مشابهة يجب طرحها ومناقشتها للفت الإنتباه لهذا الموضوع المهم. لكن نحن هنا أقتصرنا الإشارة على الموضوع الذي نعتقد أنه يهم بلدنا وشعبنا.

إذا كانت تركيا، بتكاتف الدولة مع الشعب، تريد البقاء وعدم السقوط، يلزم عليها تحديث نفسها والقيام بإجراءات الإنفتاح على متطلبات العصر الجديد ولمرحلة ما بعد مرحلة الحداثة. نظام التعليم الذي لا يجدد نفسة لن يستطيع أن يحقق أهدافه. يجب أن لا تفهم هذه الحقائق الذي ذكرناها على أنها استسلام لفرضيات إعلامية. بل على عكس من ذلك، نحن نلفت الانتباه لمرحلة موضوعية في عالم نريد أن نحافظ فيها على قيمنا الإنسانية وتقاليدنا وحضارتنا. نلفت الانتباه كي نستطيع إصلاح وإعادة تكون نظامنا التربوي. مواطنينا لديهم الاستعداد والمهارات والتجارب الذي يمكن أن ينجح هذه الحملات، إن الرؤية التربوية التي تحتوي على هذه الحساسية تعطي لنا أملاً كبيراً. إن مشاهدة تطبيق البيانات والتوجهات التي تم إفادتها في تصريحات مختلفة في هذا السياق سيزيد من سعادة شعبنا الذي يتطلع إلى أن يكون نظامنا التربوي مستعداً للمستقبل.