إنها ليست صفقة القرن بل فضيحة القرن
| | 02-03-2020

لطيف سالفي

إنها ليست صفقة القرن بل فضيحة القرن

أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، المرهون بيد الصهيونية لخدمة مصالحها وأهدافها، عن خطته تحت أسم صفقة القرن واضعاً مصالح الصهيونية وأمن دولة الإرهاب في مركز خطته وهادفاً نفي الشعب الفلسطيني من أرضه مدى الحياة. هذا الإعلان السخيف التراجيكوميكي لا يستند على أي من المواثيق والقوانين وتمت تحت جبروت "أنا أقرر وأنتم توافقون" ليس لها صفة اتفاقية لعدم تمثيل أطراف القضية. ليست لهذه الصفقة أي قيمة قانونية ولا أي منطق تاريخي وثقافي واجتماعي أو سياسي، فهي بحكم العدم.

من خلال هذه الخطوة، التي لا يمكن تفسيرها إلا بأنها محاولة لتحقيق خطة القبيحة سرية للغاية، نفهم بأنّ الولايات المتحدة وإسرائيل لايهمهم أمن وسلام المنطقة والعالم، على العكس من ذلك، نفهم بأنهم يحولون الأفعال والأقوال التي تعرض سلم المنطقة والعالم إلى خطر كبير، إلى سياسة عامة. إنّ موقف الولايات المتحدة، الذي لازال لا يرفض أن يفهم جوهر قضية القدس وفلسطين وأبعادها لا يتجاوز محاولات فرض أحادية الجانب لا تزيد القضية إلا تفاقماً.

إنّ إسرائيل التي تأسست عام 1948 بخطة دموية قذرة تم تنفيذها بالقتل والإرهاب، أخذت تحول أجراءاتها الاغتصابية الغير حقوقية والغير قانونية إلى سياسة عامة، لا سيما بعد حركتها الاحتلالية عام 1967، وهي مستمرة في أغتصابها واحتلالها وهجومها حتى يومنا هذا. إنّ هذه البؤر المستمرة عبر عصور في بذل المزيد من أجل تحقيق سياساتها، التي تصيب العقول بالذهول، تهدف الوصول إلى أرض الموعود وإقامة مملكة إسرائيل تحويل جميع البشر إلى عبيد. لا تتجنب هي البؤر من المبادرات التي تحول العالم إلى جحيم، ولايعلمون أن العالم الذي يتحول إلى جحيم للأخرين لن تكون جنة لهم. كان أخر نماذج مبادرات الخبيثة لهذه البؤر ما يدعى بـ "صفقة القرن"، التي جاءت على شكل مشروع تحاول تقنين الظلم والإجحاف وسياسات الاغتصاب والاحتلال التي تمارس منذ 72 عاماً، وتجريد الفلسطينيين من بلدهم.

إنّ صفقة القرن لا تعكس الواقع بل تكشف ما تحت وعي الحركة الصهيونية  كإحدى محطات طريق الوصول إلى أهدفها المئوية. الهدف الواضح من صفقة القرن هو تصفية القضية الفلسطينية بشكل كامل. إنّ ترامب يتعامل مع الأمر كأنه متحدث بإسم الكيان الصهيوني أكثر من كونه لرئيس أمريكا. إن الولايات بموقفها، الذي لا يسع العقل والمنطق، ترى فلسطين ملكا خاصا بها تريد أن تعطيه لإسرائيل دون أن التفكر بنتائج الوخيمة لهذه الخطوة. وتعطي لنفسها حق منح أرض فلسطين للكيان الصهيوني.

هذه الخطة التي تسمى صفقة القرن، التي تتجاهل القانون الدولي وتظهر الإحتلال على أنه سلام، هي عملية سحب فلسطين والشعب الفلسطيني إلى الفخ. إن ولايات المتحدة وإسرائيل بهذه الخطة القذرة قد فقدتا مصداقيتها، المفقودة أساساً، إلى الأبد، وأظهرتا خوفهم المتبطن في شعورهم. إنّ هذه الخطة المسمى بصفقة القرن، التي تستمد قوتها من الضمائر الميتة الخائنة، لن تجلب سوى المزيد من الظلم وسفك الدماء ومزيد من العنف والصدام وعدم الإستقرار.

نحن كأمة لايحزننا الظلم الذي يصدر عن الظالمين بقدر ما يحزننا دعم الدول التي تدعي الإسلام لهذا الظلم، إن مشاركة عدد من ممثلي الدول الإسلامية كالإمارات والبحرين وسلطنة عمان في الاجتماع التي أعلن فيه الصفقة المزعومة وتصفيقهم الحار لهذا الإعلان تعتبر بمثابة موافقة لهذه الصفقة، كما أن السعودية التي لم تشارك في التصفيق أعلنت فيما بعد عن دعمها للصفقة.

لن يستطيع الذين أعلنوا عن صفقتهم بالتهديد والإبتزاز وقوة السلاح، وحصلوا على دعم عملائهم الخونة ممن عودوهم على الحياة الفارهة، أن يفرضوا خطة الظلم الذل على المسلمين أبدا، لن يستطيعوا أن يفرضوا على المسلمين الاستسلام والخضوع. ربما تمكنوا من الاتفاق فيما بينهم وعقدوا هذه الصفقة المزعومة، المنافية لكل القوانين والأعراف والقيم الأخلاقية، وتمكنوا من التوقيع على أوراقها، لكن نسوا بإنّ الحقائق التاريخية لا تتغير بالتواقيع، وأن المدن والأوطان لا تبع وتشترى بالتواقيع. إنّ الأمة قد وهبت قلبها روحها وعقلها للمدينة المقدسة الشريفة القدس وللمسجد المبارك الأقصى ولثكنة الشرف والعزة والحرية والإيمان غزة. إذا كانت تواقيعهم موجودة فوق ورقة الصفقة فإن قلب الأمة موجودة فوق القدس. إنّ فلسطين هي روحنا وأيماننا وحلمنا والقدس هو شرف أمتنا وعقد حريتها. لم، ولن تستطيع أي من الأحداث والتطورات أن تنهي مشاعرنا ووعينا  اتجاه قضية القدس واتجاه المسجد الأقصى.

كل مسلم  شريف يؤمن بحق فلسطين، وعاصمتها الأبدية القدس، بالحرية والاستقلال، لن يرضى بصفقة العار هذه. إنّ ساعاتنا موقتة على توقيت القدس، والتوقيت في القدس قائم على نبض الإنسانية.