النضال النقابي ضد النظام الرأسمالي العالمي
| | 01-06-2017

علي يالتشين



العولمة من ناحية النظرية يتضمن بعض المفاهيم المترابطة بعضها ببعض مثل تطور العلاقات الأقتصادية والاجتماعية والسياسية بين الدول، والاعتراف بعقيدة وتطلعات
المجتمعات والثقافات المختلفة، وزيادة زخم العلاقات الدولية وماشابه ذلك. مع إنتهاء الحرب الباردة شهدت مرحلة صعود العولمة سرعة كبيرة، حيث جاءت بفوارق كبيرة في توزيع الدخول بين دول العالم، وخير دليل يسند قولنا هذا هو عدم إمكانية إستفادة الدول من الثروات العالمية بشكل متساوي، ويتم تقييم مفهوم العولمة في يومنا هذا على أنّها "الأمبريالية الجديدة"، وفقاً لذلك لاتزال مفهوم المستعمرات التي كانت سائدة في المراحل السابقة تحافظ على وجودها بشكلها الحديث الذي يلائم العصر، الدول النامية المهمشة في هذا النظام لا تستطيع الحصول على استقلالها الأقتصادي، كأنّ اقتصادها جزيئات مرتبطة باقتصاد الدول الكبرى، وإذا ما قيمنا الأمر من هذا الاتجاه نجد بأنّ العولمة عبارة عن نظام هرمي يكون فيه المُستَعمِرون في أعلى الهرم والمُستَعمَرون في أسفل الهرم.

 

أن النظام الرأسمالي العالمي المفروض من قبل الدول الرأسمالية العالمية تم تطبيقه تحت ذريعة إلغاء فوارق التطور وجعل تقاسم الثروات  أكثر تساوياً بين دول العالم، لكن في الحقيقة  هذا النظام على عكس ما يدعي من إلغاء فوارق التطور وتحقيق المساواة في تقاسم الثروات،  بل أصبح سبباً لتصاعد حدة المشاكل وتزايدها فيما يخص الملايين من البشر، يبلغ عدد سكان العالم اليوم حوالي 7.5 مليار نسمة، هنالك أكثر من 1.5 مليار إنسان يعيش بدخل أقل من دولار واحد في اليوم في هذا النظام العولمي، كما يعيش أكثر من 3 مليار إنسان بدخل أقل من 2 دولار، هذا يظهر بأنّ المساواة في تقاسم الثروات بعيدة كل البعد عن الجدية. هذا النظام الذي يخدم الشركات العالمية الكبرى جاء بنظام استعماري حديث يستغل الأيدي العاملة الرخيصة، ويستفيد من أوضاع البلاد، ويدمر البيئة.

أنّ تأسيس الأرضية المناسبة للنضال المشترك ضد النظام الاستعماري العالمي الذي أوجدته الرأسمالية العالمية كما كان في كل وقت يقع على عاتق المنظمات العمالية، إذا رضينا بإنسانية متروكة تحت رحمة قوة الرأسمالية العالمية فإنّنا سنخضع لتحكمها واستعبادها، فلن ولن نستطيع أن ننتج شيء بأسم الإنسانية، لذلك نحن بحاجة إلى التعاون والتضامن فيما بيننا، ويجب علينا أن نحضر وننشيء الأرضية اللازمة لنضالنا المشترك ضد النظام الاستعماري المجحف التي تفرضه الرأسمالية العالمية، وفي هذا المنوال يجب علينا أن نحافظ على جوهرنا وأن نحترم التنوع الموجود بيننا، وأن نتحرك سوياً عارفين أهمية ما يبذل من أجل المساهمة في الجهد والتنظيم والسلام العالمي وأمن ورفاه الإنسانية، فإذا نجحنا نستطيع أن نغيير النظام العالمي الاستعماري.
 

يجب أن تكون النقابات وأن يكون النقابيين في طليعة حاملي الإرادة من أجل هزيمة الرأسمالية العالمية والنظام الإمبريالي العالمي الغير عادل، قد نختلف في أفكارنا وأهدافنا، وقد تكون مصادر قيمنا ومنابع مبادئنا مختلفة، لكن في النتيجة نحن نتوحد في نقطة الأنسانية وفي الدفاع عن الكادحين ورفع قيمة جهدهم وخبز معيشتهم، لذلك يجب علينا جميعاً أن نعمل من أجل إنهاء النظام الاستعماري الذي يُشرع تحت أسم المنافسة، وأن نعمل من أجل إنهاء الظلم والحروب التي تستهدف الإنسان والإنسانية، ولذلك سنعمل من أجل رفع مستوى التعاون فيما بيننا، وسنزيد من قوتنا من خلا زيادة وحدتنا، طالما يوجد في العالم من يُستَغل جهوده ويسرق منه عرق جبينه لا نستطيع نحن النقابيين أن نقول قد حققنا ما وقع على عاتقنا.
 

هنالك حاجة إلى مفهوم بعيد عن الازدواجية في تناوله لمشاكل المظلومين والمغدوريين، ونحن نرى أن منظمات العمل  الدولية والمنظمات النقابية الدولية لا يظهرون الحساسية الكافية اتجاه قضايانا ومشاكلنا، وشهدنا منهم مواقف ازدواجية اتجاه العديد من القضايا والمشاكل الخاصة بالدول الإسلامية، فمن الضروري ايجاد آلية جديدة تتولى حل مشاكلنا بشكل أساسي، ولقد قررنا تأسيس آلية تحت مظلة منظمة التعاون الإسلامية تستطيع ايجاد الحلول المشتركة لمشاكلنا عن طريق التشاور، والقرار كان من خلال اصدار إعلان مشترك تحت اسم "إعلان إسطنبول"  في المؤتمر الدولي "العمل النقابي في العالم الإسلامي" الذي تم تنظيمه في مدينة إسطنبول بحضور ممثلين عن الاتحادات النقابية العمالية في 60 دولة، وكان تأسيس هذه الآلية هي إرادة مشتركة للاتحادات العمالية والنقابية القادمة من 60 دولة. إنّ تأسيس مثل هذه الآلية ضرورة ملحة للغاية، في الوقت الذي تعمل منظمة العمل الدولية (ILO) تحت هيئة الأمم المتحدة، وتعمل منظمة العمل العربية تحت هيئة الجامعة العربية، وتعمل لجنة الفنية المختصة للتنمية الاجتماعية والعمل والعمالة تحت منظمة الاتحاد الأفريقي، فأنّ عدم وجود منظمة عمالية تعمل تحت مظلة منظمة التعاون الإسلامية يعتبر نقصاً كبيراً في هذا المجال. حيث تم درج عرضنا حول تشكيل لجنة نقابية في منظمة التعاون الإسلامية في الدورة الاعتيادية الـ 43 لوزراء خارجية دول المنظمة، وقد لاقى العرض ترحيباً من قبل منظمة التعاون الإسلامية، حيث أصبح عرض تأسيس "لجنة نقابية" في جدول أعمال المنظمة، ومن المنتظر أن يتم الإنتهاء من أعمال تأسيس اللجنة النقابية تحت كيان منظمة التعاون الإسلامية واستحصال قرار التأسيس في دورة اجتماع وزراء العمل لدول الأعضاء في المنظمة في تشرين الثاني/نوفمبر 2017.
 

 عندما يقال الحركة النقابية يدور الحديث حول بعض الدول، حيث تظهر صورة وكأن جميع الأعمال تدور حول تلك الدول، وهذا الأمر يجب مناقشته، حيث يجب أنتاج الحلول العالمية للمشاكل العالمية، لذلك يلزم علينا أن نتضامن ونتحاور ونعقد تعاون مشترك وننتج مشاريع مشتركة، ونرفع من قدراتنا المؤسساتية، ونجد الطريق الأمثل للتعاون فيما بيننا، عندما نحقق هذه الأمور يكون قد اقتربنا من وضع حلول عالمية لمشاكلنا العالمية، يجب أن لايكون الحركة ألنقابية ذات صبغة دينية أوعرقية أوطائفية أوقومية، الحركة النقابية هي حركة عالمية، فمثلما لدمع العين لون واحد بغض النظر عن سقوطها في أي بقعة من العالم، لعرق الجبين أيضاً لون واحد أينما يصب في العالم. لا يمكن حبس الحركة النقابية في مساحة دينية أوعرقية أوطائفية معينة، كما لا يمكن لأحد أن يحتكر هذه الحركة لأنها حركة نشاط مفتوحة على كل المساحات، لذلك يجب التفكير بهذا المفهوم في كل مايتعلق بالعمل النقابي، حيث يجب التحرك بالمفهوم الدولي. ربما نختلف في الألوان واللغات والأديان لكن نحن شركاء في الانسانية، والنقطة المشتركة بيننا هي انسانيتنا وكدحنا.